هل أنت على علم بالتكاليف الحقيقية؟

يتميز قطاع الحجارة الطبيعية بالعديد من الجوانب الإيجابية وهو ما يقر به كل من يمت بصلة بهذا القطاع الصناعي وحتى يتخول لنا ذكر جميع هذه الجوانب الإيجابية قد يستلزم علينا تدوينها في كتاب أو ربما تطلب ذلك حجم موسوعة، وهذا ليس بغرضنا من كتابة هذا المقال. وتوجد كذلك خصائص أخرى تتعلق بصناعة الحجارة الطبيعية في العالم ولكن لا تخص نوعا معينا منها ولا فئة محددة من المزودين بها غير أنها وفي نفس الوقت تنفرد بها هذه الصناعة ونتكلم هنا عن ذلك السلوك المتمثل في تلك النزعة الخطيرة والعشوائية المنتشرة بهذا القطاع والرامية إلى عرض أسعار منخفضة حتى وإن لم تقتض له الحاجة.

قد تكون النزعة الرامية إلى التخفيض المستمر في الأسعار ميزة من ميزات اقتصاد السوق داخل عالم شمولي اتسم بالمنافسة الوحشية، هذه المنافسة المتزايدة قد جعلت من المشترين تحت ضغط دائم يدفعهم إلى السعي للتخفيض من تكاليفهم هم بدورهم هدف ضمان نجاعة صفقاتهم، كما يتحتم على الشركات من جهة أخرى كسب طلبيات إذ يجب تجنب وقف سير نشاط المصانع ومعامل الرخام والدافع لذلك بسيط فالتكاليف القارة التي تجري على عاتق هذه الشركات باهضة وهو ما يحدث دائماً في جميع القطاعات الصناعية بجميع أنواع منتوجاتها وخدماتها فالأسس الاقتصادية هي نفسها في كل مكان.

ولكن هل من المنطق في أن تخفض صناعة الحجارة من أسعارها في حين نرى أن السوق زاهرة وأن الكثير من المشترين من جميع أقطار العالم يشتكون من قلة المزودين؟

فما هي مخاوف شركات الحجارة الطبيعية إذاً؟

قد نتفهم وجود أسعار منخفضة إذ كان الأمر راجعا إلى إفادة الزبون من مرابيح تحسين مسار الانتاج وما إليه، هذا طبيعي فالشركات المختصة في تصنيع الحجارة الطبيعية تسعى قدماً إلى تحسين منتوجها باقتناء أحدث الآلات التي تخول لها التخفيض من تكاليف المنتوج أو عرض منتوج ذي جودة أرفع.

ولكن كيف نفسر سلوك تلك الشركات التي ترسل إلى زبائنها مئات الحاويات شهريا وتواجه العديد من الصعوبات للإيفاء بالآجال المسطرة وتشتغل إلى أقصى حدود طاقتها الانتاجية ومع ذلك نراها تخفض من أسعارها إلى حد يتسبب لها في الدخول في أزمات مالية حادة؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات ليس بالبديهي، فنحن لا نتكلم هنا، فى حالات كهذه عن وجود منافسة مفرطة أو عن غياب الطلب أو عن الصين (فالصين في العديد من قطاعات صناعة الحجارة الطبيعية ليست بمنافس، بل كل العكس، فهي تعتبر فعلاً سوقاً هامة بالنسبة لقطاع الحجارة)، فهل من تفسير لهذا الوضع؟

إن التحليل الأقرب للواقع لتفهم هذا السلوك يقر بأن العديد من العاملين في قطاع تصنيع الحجارة الطبيعية يجهلون تكاليف انتاجهم، فما من شك بأنهم على علم بتكاليف الطاقة وبتاكليف النشر بخيط الماس أو بالقرص وكيف لا بالمرتبات التي يدفعونها إلى عمالهم والتكاليف المالية وحتى تكاليف تراجع قيمة الآلة.

غير أنه توجد في عالم الحجارة تكاليف أخرى غير بديهية في حد ذاتها تتبين حدتها ساعة غلق الحسابات السنوية أو حينما تتم دراسة الأسباب التي تجعل من المؤسسة وكأنها لا تسجل مرابيحا بالرغم من أنه نظريا كل شيء يسير على ما يرام. فما هي إذاً هذه التكاليف؟

إن جميع القطاعات بقطع النظر عن تلك التي تستخلص من حرفائها نقداً أو عن طريق الحوالات البنكية السابقة لتسليم البضائع أو تلك التي تضمن الاستخلاص مسبقاً تواجه باستمرار خطر عدم الاستخلاص وقد يكون الخطر ضعيفاً أو مفرطاً، وذلك حسب معايير وعوامل كثيرة ولكن وكما هو معلوم أنه يوجد عملياً بعالم الأعمال قسطاً من هذه الممارسات. فهل تأخذ شركات الحجارة الطبيعية بعين الاعتبار هذه العوائق ساعة تقييم أسعار كتلها أو ألواحها أو أي منتوج من منتوجاتها؟ وهل حاولوا ادراج ضمن التكاليف ما يعوض لهم ساعة مواجهة حالات عدم الاستخلاص؟ الجواب عن هذه التساؤلات هو، وبدون شك، لا.

تتكون صناعة الحجارة الطبيعية في العالم من شركات في معضمها شركات صغيرة الحجم ومن مميزاتها نذكر قيام نشاطها على التجارة الخارجية إذ أن 50% تقريبا من الحجارة المصنعة يتم تركيبها في بلد غير الذي تم استخراجها به. وكما هو معلوم كذلك أننا نعيش في زمن يتسم بعدم الاستقرار فيما يخص أسعار تغيير العملة وقد يصل عدم الاستقرار هذا إلى بلوغ أقصى حدوده في بعض البلدان ليصل إلى اختلاف يبلغ 1% يوميا أو إلى تذبذب ما بين 5 و 10% خلال مدة لا تزيد عن ثلاث أشهر وهذا أمر أصبح عادياً. لذلك فإن مصدري الحجارة الطبيعية يجازفون بمواجهة خطر تسجيل خسارات مادية إذا ما شهدت أسعار العملة تقلبات لا تكون في صالحهم حينما يقدمون إلى حرفائهم شروط دفع طويلة المدى ولينة بهدف ضمان استمرار الطلبيات لمنتوجهم. وكم من عرض بالدولار الأمركي قد يكون طيباً بحسب سعر تغيير العملة آنذاك، ولكن بعد مرور 120 أو 180 يوماً عن الاتفاق ويتم التحويل إلى العملة المحلية قد تكون المفاجأة كبيرة بتسجيل خسارات هامة، وما عليك سيدى القارئ إلا أن تسأل البرازيليين الذين يتوقف نشاطهم على السوق الأمريكية. لذلك نكرر طرح السؤال هنا: هل الشركات على يقين بهذه المخاطر حينما تدرج ضمن تعاقداتها التجارية شروطاً تخول لها بمراجعة أسعارها إذا ما تجاوزت معاليم التغيير حداً معيناً؟ وهل هذه الشركات على علم بأنه إذا ما تم منح امكانية الدفع على المدى الطويل بالسوق العالمية دون ضبط الضمانات الكافية مسبقاً تكون قد ارتكبت مجازفات خطيرة؟ ولا يمكن قبول هذا الوضع الذي يتبعه العديد من الشركات وخاصة تلك المتواجدة بالبلدان النامية التي إذا تلقت الدفوعات في أوقات لاحقة، وبما أن عملتها المحلية ستتضاعف بالنسبة للدولار الأمريكي أو اليورو فستكون مرابيحها أكبر، (قد يكون هذا الطرح مقبولاً إلى حد زمن قريب وقد يكون هذا سبب تسامح الكثير من المصدرين في تأجيل الاستخلاص) فالعمل من أجل تفهم تحركات معاليم سوق العملة يندرج ضمن مهام الاختصاصيين وحتى هؤلاء يقعون في الخطأ أحياناً هم أيضاً.

كما توجد تكاليف لا تريد أو لا تستطيع الشركات أخذها بعين الاعتبار ساعة عرض أدنى ما يمكن من الأسعار استجابة لضغوط الحريف، ففي جميع مراحل الانتاج تطرأ على الحجارة انكسارات وغالباً ما يستعمل الحريف هذه الانكسارات ساعة التفاوض في ضبط الأسعار ليتحصل على تنزيلات أكبر قبل الدفع، وكما ذكرنا فإن هذه الانكسارات تطرأ وهذا أمر عادي، فهل يأخذ المصنع بعين الاعتبار عند ضبط تكاليف انتاجه هذه العوامل التي من شأنها أن تتسبب له في نسبة من الخسائر السنوية؟

وما القول عن التعاليل التي يتقدم بها المشتري محاولة منه للتحصل على أقصى ما يمكن من التنزيلات وذلك حتى بعد غلق الأسعار وضبط كيفية الدفع (فالحجارة المزوده تتخللها عيوب، لقد انكسرت حافاتها، نسجل بها الكثير من العروق، لا يتطابق لونها مع اللون المتفق عليه، الخ.)؟ ولا ريب أنه في 90% من الحالات ما هي إلا تعاليل تفتقد لأي أساس وما غاية الزبون وراءها إلا الاستفادة مادياً وبدون ضمير بالضغط على البائع، ولا شك في أن الشركات المدارة على أحسن وجه على علم تام بهذه التصرفات وتعرف كيف تواجه هذه الحالات، غير أنه يوجد في المقابل الكثير من الباعة الذين لا يتقنون كيفية مقاومة مثل هذه الضغوط ويخضعون لها وهنا يطرح السؤال من جديد: هل تم أخذ هذا التنزيل المحتمل في الأسعار لهذا النوع من الزبائن بعين الاعتبار ساعة تقديم عرض البيع؟

خلاصة القول، يتوقف عرض الأسعار التي لا تعود بالمرابيح على الشخص الذي يدير الشركة أو المؤسسة وهذا وارد إذ أن الكثير من رجال قطاع الحجارة يفتقدون للخبرة الكافية (وهذا أمر طبيعي إذ أن هذه الصناعة تمر بفترة نمو كبير في الكثير من أقطار العالم) ويوجد الكثير ممن يعتقد أن صناعة الحجارة هي صناعة تعود بمرابيح بسهولة فائقة، وبالتالي يجب أن يمر ما يكفي من الوقت حتى يتيقن هؤلاء بأن صناعة الحجارة هي قطاع صعب ومعقد وسر النجاح فيه هو الالتزام الصارم والجدية فقد يشكل عرض أسعار منخفضة وسيلة سريعة لجلب زبائن جدد ولكن إذا لم يعزز بسرعة قد يتحول إلى كارثة، وللنجاح في هذا العمل يجب التطلع جيداً على التكاليف الحقيقية، وهذه نقطة أساسية تنطبق على جميع الأعمال والمعاملات.