الترافرتين الإيطالي

الترافرتين الإيطالي
الترافرتين الإيطالي
الترافرتين الإيطالي

لا ريب في أن هذه الحجارة تعتبر احدى الأحجار التي تتمتع بوزنها الخاص في تاريخ إيطاليا وثقافتها، فقد استعملت منذ قديم الزمان في تشييد البنايات العامة والخاصة التي تحظو بسمعة فائقة من الناحيتين المعمارية والفنية. إن إسم هذه الحجارة مشتق من لابيس تيبوتينوس، ويعود استخراجها إلى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد وبداية القرن الثاني من طرف الرومان القدماء الذين استعملوها في تشييد بنايات مثل الكوليزي ومسرح ماسيلو، وهي أماكن فائقة الباهرة من الناحيتبن الروحية والفنية.

وتوجد طبقات الترافرتين في منطقة لازيو وفي التسكانا وفي أُمبريا وكذلك في سقلية، ومن بين الأنواع الأكثر رواجا نجد الترافرتين الروماني الذي يتم استخراجه من منطقتي تيفولي وغويدونيا مونتيشاليو؛ والترافرتين التسكاني الذي يستخرج من منطقة ريبولانو (سيانا). والترافرتين هي صخرة رسوبية ذات طبيعة كلسية تعود إلى العصر الجيولوجي الرابع، وهي حجارة راسبة في أجواء تختلف عن أجواء الأحجار ذات التكوين البيولوجي الجيري التي تتشكل على إثر تراكم البقايا العضوية الكلسية بنمط بطيئ في الأعماق البحرية ومع مرور السنين وبمفعول وزنها تنتهي إلى تشكيل طبقات متراصة؛ في حين أن الترافرتين صخرة من أصل كيميائي يرتبط تكوينها بتراسب كربون الكلسيوم الخاص بالمياه الكثيرة التشبع من مادة بيكاربونات الكلسيوم. وتحدث هذه الترسبات عادة في المناطق البحرية، غير أننا نسجل وجودها كذلك في مناطق قارية حيث يحدث تصاعد المياه الساخنة إلى السطح على إثر نهضة البراكين. كما تحدث الترسبات في المناطق التي توجد بها الينابيع، والشلالات والأحواض البحرية حيث تتجمع كميات كبيرة من البقايا النباتية كالأوراق والأغصان والقصب، الخ. ويصبح ثاني كاربونات الكلسيوم المنحل في الماء غير مستقر بسبب التغيرات الطارئة على الضغط والمنجرة عن التصاعدات وهكذا ثاني كاربونات الكلسيوم تتنازل في شكل كاربونات الكلسيوم محررة في هذه العملية مادة أنهدريد الكربون ومتسببة بذلك في ترصع البقايا النباتية التي تتراكم عليها؛ ومع مرور الوقت تمر المادة العضوية إلى الإنحلال لتجعل الثقوب الموجودة فيها هيكلا مميزا وغنيا بالترافرتين ويكون التحجر الكلسي للحبوب الدقيقة المائية العذبة نتيجة هذا المسار الجيولوجي، وتكون تشكيلتها في شكل شرائط وهذه الشرائط تشهد على مسار الترسبات الطويل إذ أن كل طبقة تمثل حلقة من حلقات الترسبات كما تمتلك كل منها شكلا خاصا بها موازيا للسطح التوبوغرافي الأصلي، أو تكون مجعدة قليلا وهو ما يعطينا فكرة عن الوضع التي كانت عليه سابقاً.

وتتنوع أشكال الترافرتين وتختلف ألوانه وهذا الإختلاف والتنوع ناتج عن اختلاف طبيعة الشوائب الموجودة بالمواد التي تكونه ومدى تراكمها. فتمر الألوان من الأبيض المائل إلى لون اللبن إلى الأصفر المقترب من لون القش (وذلك منجر عن وجود مادة الليمونيتا)؛ كما نجده يتذبذب بين البني والأسود (المنجر بدوره عن وجود صديد المغنيز) أو من البني إلى الأحمر (الناتج عن هدروكسيد الحديد)، فكل هذه الشوائب لا تؤثر فقط على الألوان بل أيضا على خصائص الحجارة الفيزيولوجية والميكانيكية لتعطي لكل نوع من أنواع الترافرتين ميزة خاصة به عند استعماله.

وتتميز حجارة الترافرتين بألوانها الدافئة وبتنوعها زيادة على خصائصها التركيبية التي تجعلها مناسبة وملائمة لاستعمالها في مجالات كثيرة بما في ذلك الأجواء التي تكون فيها الظروف المناخية شديدة القساوة، ومن ناحية أخرى، نجد أن من خاصيات تركيبة الترافرتين هي الثقاب الموجودة به والتي تأخذ أحيانا أحجاما كبيرة ولكن بالرغم من ذلك فإن الترافرتين حجارة لا تنفذ إليها المياه، إذ أن تركيبتها شديدة التكتل والحشد وبالتالي فإن المياه لا تتسرب إلى داخلها كما هو الحال بالنسبة لأنواع أخرى من الحجارة، كما أنها حجارة من الأنواع التي تقاوم التبلي مقاومة جيدة فلا يؤثر عليها مرور الزمن، كما أنها حجارة تقاوم وتصمد أمام عوامل التلوث، فألوان حجارة الترافرتين الأصلية إثر استعمالها في التغليف الخارجي لا تفقد إلا مقدارا طفيفا من بريقها، فالألوان تظل حية إذ أن القشرة السوداء الناتجة عن الدخان الملوث للمحيط يصل فقط إلى الطبقات السطحية لحجارة الترافرتين دون النفوذ إلى داخلها.

ومن بين الخاصيات التي تتمتع بها حجارة الترافرتين نذكر أيضا عملية تصلبه عند استخراجه وتعرضه للهواء، فهو يمر بعملية تكتل جديدة، أما فيما يخص عملية تغير ثاني بيكربنات الكلسيوم إلى كربنات الكلسيوم فهي تتواصل كذلك من بعد تصلب الصخرة.

وينصح باستعمال حجارة التارفرتين في أعمال التغليف سواء في الداخل أو في الخارج، كذلك بالنسبة للبلاطات وفي اعمال الزخرفة المدنية الخ. وتجدر الإشارة إلى أن بين مختلف أنواع الترافرتين توجد بعض منها وخاصة الداكنة اللون، والمعروفة بسرعة تبليها لذلك يستحسن عدم استعمالها في تبليط الأرضيات التي ستستعمل كثيرا. وبالنسبة لجميع المواد المتكونة من كربونات الكلسيوم ينصح كذلك تجنب تعرضها إلى أي من المواد الحامضة أو المواد الكيمياوية العنيفة إذ قد تتسبب في تشويه لون الحجارة. وتوجد العديد من أصناف الترافرتين ويكمن الإختلاف بينها في اللون وفي التصميم الذي يتشكل عند امتزاج مختلف الطبقات. ومن أبرز الأنواع نجد النوع الكلاسيكي ذا اللون الأصفر البني الداكن؛ وكذلك نوع نارفونا (خاص بمنطقة لازيو) ذا اللون الأبيض الكريم؛ ونوع النوتشي ذا اللون البني الداكن والذي تتخلله خطوط ذات الألوان الفاتحة؛ وكذلك نوع الروزا الإترسكو (والمستخرج من منطقة توسكانا) ذا اللون الوردي الدافئ.

أما الطرق المتبعة في عملية تحضير ألواح حجارة الترافرتين الخام والأكثر مقاومة نذكر عملية السقل والتعتيق، وعادة ما يتم تطبيق هذه التقنيات على الألواح باستعمال جص الزخرفة لحشو الثقاب الموجودة بسطح اللوح. وقد توثر عملية قس الألواح على مظهرها النهائي وذلك ناتج عن تركيبتها في شكل شرائط لذلك تختلف النتائج باختلاف اتجاه القس الذي يمكن أن يكون موازيا أو عموديا بالنسبة لاتجاه العروق.

وقد شكلت السوق المحلية خلال العديد من السنوات أهم مستهلك للترافرتين الإيطالي وخاصة في تشييد المراكز التجارية، ذلك بسبب حملة البناء الواسعة النطاق التي عاشها هذا البلد خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية من الخمسينات بدأت أول عمليات التصدير إلى أمريكا بارسال كتل من هذه الحجارة، أما في الستينات فكانت ألمانيا أهم زبون لهذه الحجارة وفي السبعينات تصدرت أمريكا قائمة مستوردي الترافرتين، ثم أصبح اليابان والعربية السعودية في الثمانينات من أكبر مستورديها، أما خلال سنوات التسعين أصبحت التجارة منقسمة بين العديد من البلدان على وجه الإنصاف لتعود الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك لتتصدر طليعة مستوردي الترافرتين الإيطالي. وبالتالي نلاحظ تطورات في الطلب الخارجي لهذه الحجارة الذي كان متمركزا بين البلدان المجاورة لإيطاليا وذلك إلى زمن غير بعيد، ليتخذ اليوم بعدا عالميا.

وفي الوقت الراهن تغيرت العلاقة بين الطلب الداخلي والخارجي لصالح الصادرات التي تستوعب اليوم ثلاثة أرباع الإنتاج الإيطالي، ففي أواخر الثمانينات كانت الصادرات تمثل 40% لتصبح في وسط التسعينات 70% وتبلغ اليوم 75%.

وتشهد العديد من الإنجازات المعمارية في العالم على نجاح حجارة الترافرتين ومن بين هذه الإنجازات يجب ألا ننسى الإشارة إلى مبنى Paul Getty Center في لوس أنجيليس (التي تم انجازه بحجارة الترافرتين الكلاسيكي الروماني)، كذلك مقر مصرف الصين في بيكين والعديد من الفنادق الفخمة بالعربية السعودية، سوريا وكوريا، الخ.