هل تعود المسؤولية إلى الإسمنت؟

هل تعود المسؤولية إلى الإسمنت؟
هل تعود المسؤولية إلى الإسمنت؟
هل تعود المسؤولية إلى الإسمنت؟
هل تعود المسؤولية إلى الإسمنت؟

رفاييل باركا

إن أهم الأسباب التي تدفع المرأ إلى اختيار الرخام والغرانيت هي الجمال والتميّز والدوام، وترتكز كل هذه العوامل على اللون واللمعان التي تتميز بهما هذه المواد التي صورتها الطبيعة والمستخرجة من الجبال البعيدة لتتمّم يد الإنسان من إعطائها الشكل النهائي.

ويعرف الجميع أن جمال الرخام ولمعانه يبقى دائما دون أن تشوبه العيوب وهكذا هو الأمر ولم يخيب ظنّ أحد، غير أنه ومؤخراً بدأت هذه الحقائق في فقدان مصداقيتها.

ما الأمر؟ لقد بدأنا نجد مدارجا من الرخام قد فقدت لمعانها السابق، ويبدو أن مدخل ذلك المبنى قد فقد من قوة بريقه، كما تظهر على الواجهات بعض البقع العابرة من الرطوبة، كما أنها تبدو قاتمة أكثر فأكثر. ما الأمر؟ ما فعلوا بنا؟ وبدأنا نستمع إلى الأصوات الأولى التي تشتكي من هذه المواد.

إن هذه التغيرات الطارئة على الرخام والناتجة عن عوامل مختلفة منها سوء استعمال مواد التنظيف، فنفس الماء الذي نستعمله والذي لا نجد به مادة التنظيف فقط بل أيضا الأوساخ، الحوامض، الزيوت، مشتقات النفط وما ينتج الإنسان اليوم من كميات هائلة من القـُمامة الصلبة التي بدرجة أو بأخرى تـمتصها موادنا.

وللمزيد من التوضيح، فإننا نحدد مفهوم الإمتصاص بقدرة الجذب والأستيعاب وذلك من خلال الميكرو مسامات الموجودة بكتلة المادة نفسها. وتكون درجة الإمتصاص مرتبطة كل الإرتباط بحجم هذه المسامات وبكمية الماء التي تنحصر بها.

ولا تتوقف المسألة على عملية الإمتصاص فحسب، بل على ما يـُمتصّ وهنا ترجع أهمية درجة الإمتصاص.

لذلك نمدكم بالجدول التقديري التالي الذي يحدد درجات الإمتصاص بالنسبة للرخام أو الغرانيت بحسب معايير A.S.T.M.:

الترتيب المُعامل

قليل من 0,05 إلى 0,10
عادي من 0,10 إلى 0,20
كثير من 0,20 إلى 0,30

وعند تطبيق هذا المعيار على الغرانيت، يمكننا وبصفة عامة ترتيب أصنافة من أقل إلى أكثر امتصاص على النحو التالي

الأبيض
الأسود
الأحمر
البنيّ
الورديّ
الأخضر
الورديّ / الأصفر
الأبيض / البنيّ

غير الأن الأوساخ لا تترسب من الواجهة فقط، ولو أنه سيكون له كل التأثير على الجهة الظاهرة للمنتوج النهائي، ولكن أيضاً نجد أن الأوساخ التي تؤثر على الوجه الخلفي للحجر تتأتى أساسا من الإسمنت، إذ أن وجه الحجر الذي ينطبق على الجدار أو على الأرضية تكون مسامه أكبر وبالتالي تكون درجة الإمتصاص به مرتفعة ومنها يكون تسرب كل الأملاح الذائبة والموجودة في مياه المعجون أو خليط الإسمنت إلى داخل الحجر.

لذلك فإننا نقر بأهمية حسن اختيار الإسمنت عند الإستعمال، ولنبين ذلك نعرض عليكم هذه الصور التي يتبيّن من خلالها كيف أفسد محلول الإسمنت جمال المبنى وأحطّ من سمعته، فالصور لا تحتاج إلى أي تعليق إضافي.

وتتكون هذه التسللات من رواسب الأملاح الجافة ، وخاصة منها الكبريتات والكربونات القابلة للذوبان المتأتية من الخليط الموجود بين اللوحة والحائط والمنجرفة من جراء كثرة المياه الموجودة بالخليط أو من جراء التسربات التي يتعرض إليها الإسمنت والناتجة عن الغسيل المستمر.

إن هذه الأملاح الذائبة أو في حالة إنتظار، تصبح داكنة اللون ثم تتسرب من خلال الشقوق الفاصلة بين الألواح وحينما تجف تتحول إلى بقايا صلبة متكونة خاصة من الكبريت، كربونات الكلسيوم، المغنيزيوم، السوديوم والبوتاسيوم. ونجد من بين هذه الأملاح صنفا يذوب بمفعول الأمطار (المتكونة من السوديوم والبوتاسيوم) دون أن يتسبب في أي ضرر، ولكن نجد صنفا آخر تتواجد به مادة الكبريت وكربونات الكلسيوم، المغنزيوم أو الباريوم والغير قابلة للذوبان بعد تكوينها وهي المواد الأكثر ضرر.

وتبقى هذه الأملاح بعد تكوينها على الواجهة ولا تزول لا بمياه الأمطار ولا بالغسل ويبقى الحل الوحيد في اللجوء إلى الحك وباستعمال بعض المواد الكيميائية.

ونظرا إلى أن طبيعة الأملاح كثيرة التنوع فإنه تتعسر التوصية باللجوء إلى معالجة كيميائية عامة تضمن الدوام والنجاعة التامة. ونذكر أنه وفي بعض الحالات تمت التوصية باستعمال محلول متكون من صابون الصوديوم بنسبة 1% في غسل الواجهات بعد عملية الحك وهو ما يمثل كمية تتراوح بين غرام وغرامين من الصابون القلوي للمتر المربع وذلك إذا كانت الرواسب متكونة من الكبريتات القلوية، أمّا إذا كانت من الكربونات فيجب استعمال حامض الهدروكلوريك المحلول من 1 إلى 5 أو من 1 إلى 10.

ولكن هل يرجع ذلك إلى استعمال الإسمنت؟

فعلا فإنه لا يوجد مصدر آخر للأملاح غير الإسمنت المستعمل في حشو الفضاءات الموجودة بين الجدار الالواح، فجميع الأملاح المتراسبة موجودة في الإسمنت، غير أنه لا نجد في كل أنواع الإسمنت نفس كمية الأملاح القابلة للذوبان.

أيعني ذلك أنّ الإسمنت سيء؟

لا، إذ أن هذه الكميات من الأملاح التي تجرفها المياه إلى السطح المسقول والنظيف لتتجفف به فتشوه من منظره، لا تؤثر في أية حالة من الحالات على خصائص الإسمنت المتعلقة بالمقاومة والضغط وكل ما يشترط على هذه المادة لتلبية خصائص المشروع.

إن مصنعي الإسمنت شديدو الحرص على تغطية جميع المتطلبات والإستعمالات بالشروط الضرورية لها، غير أنه لم يطلب منهم أحد بعد العناية بألاّ يحتوي الإسمنت على المزيد من الإيون، الكبريتات أو الكربونات الحرة والقابلة للذوبان، وكذلك القابلة للتفاعـُـل مع الكلسيوم، المغنزيوم أو الباريوم لينجرّ عن هذا التفاعل تكوين هذه الأملاح التي إذا ما تمركزت على سطح الغرانيت اللامع يتعسر علينا إزالتها.

فالإسمنت ليس بمادة سيئة ولا جيدة: وما يمكن اعتباره بسيء هو أن يُستعمل في التركيب وأن يُسمح بذلك دون اعتبار العواقب التي ستتسبب فيها الأملاح القابلة للذوبان وأن يتم استعماله في حشو الفراغ الموجود بين الجدار والألواح.

فهذا الفراغ الذي عادة ما يتم حشوه والذي يتسبب في العديد من المشاكل لا يجب حشوة البتة إذ أن أحسن التركيب لا يتم باستعمال الإسمنت بل باللجوء إلى استخدام المشابك أو إلى مسامير من الفولاذ الغير قابل للصدأ، وهكذا يسمح هذا التركيب من ضمان التهوئة من جهة ونتجنب بذلك السيول وبقع الرطوبة ويزداد الأمان من جهة أخرى.

وإذا استمر الإصرار على استعمال مادة الإسمنت وفي نفس الوقت على تجنب ظهور هذه المشاكل، فبالضرورة يتحتم التدقيق وحسن اختيار الإسمنت من بين الأصناف التي تحتوي على أقل نسبة ممكنة من الأملاح القابلة للذوبان.

ختم الشقوق الفاصلة بين الألواح بمادة السيليكون

مبدئيا يبدو من البديهي إذا ما وضعنا سدادة إلى حنفية فإن الماء يكف عن الخروج، وفي هذه الحالة يكف السيل. غير أن المشكلة لا تتمثل في عدم الخروج فحسب بل في عدم تكوينه، إذ أن تسرب كمية صغيرة من المياه بين اللوحة والجدار وهو من الأمور التي يستحيل تفاديها، تكفي لتبلل هذه الطلية ليخرج منها جزء من تلك الـ 5، 6، 8 أو حتى 9 كغ/طن من الأملاح القابلة للذوبان الموجودة بها والتي على إثر ذوبانها وامتزاجها بالماء تتجفف وتتبلور في زجاج جميل ولكنّ حجمها يزداد. وبعد تكرر هذه العملية يدفع هذا الزجاج مادة السيليكون اليابسة والمشققة من بين الشقوق الفاصلة بين الألواح أو تدفع اللوح إلى الخارج، ونظن أنه ليس من الضروري وصف النتيجة.

ويجدر القول إلى من يميل إلى تبسيط المسار وتسليط مسؤولية الأمر إلى اهمال قام به العامل في عمله بعدم تنظيف الشقوق الفاصلة بين الألواح بعد التركيب، أو الإدعاء بأن الخطأ قام به المراقب أو المهندس المعماري بسماحه استعمال الإسمنت حيث يمكن تجنب ذلك بواسطة التثبيت المعدني أو لعدم تثبـّـته من خصائص الإسمنت المستعمل. فإن عملية التنظيف عند الإنتهاء من التركيب لا تكفي لتوقف مسار الأملاح (الذوبان، التبلل، التكوين والتجفف) فبينما لا تنفد الـ 5، 6، 8 أو 9 كغ/ طن من الأملاح القابلة للذوبان والموجودة بالإسمنت يجب الإستمرار في التنظيف.

إذا يبقي استعمال المشابك المعدنية أو دراسة خصائص الإسمنت الذي سيستعمل الطريق الأفضل والأربح.