جسر موستار القديم إعادة تشييد الرمز

جسر موستار القديم
إعادة تشييد الرمز

روبيرت ماتشال (عن التحقيق الذي قام به غريغور ستولاسكي)

لقد تم بناء جسر موستار سنة 1556 وكان الهدف من بنائه ليخلد أبد الدهر غير أنه انهار بعد أن عاش حالة من الاحتضار خلال الحرب الأخيرة ولكنه استرجع روحه بعد أن كان رماداً وعاد بهدها إلى مجده السابق في شهر يوليو / تموز من سنة 2004. ففكرة بناء جسر موستار تحمل في طياتها الكثير من الرمزية فهذا الجسر كان وما زال يمثل رمزاً للتواصل بين الشعوب والديانات، وعندما بني كانت النية من ذلك ألا ينقطع هذا التواصل غير أنه سقط كما سبق أن ذكرنا ضحية حرب البوسنا سنة 1993. وباشراف منظمة اليونسكو وبمساهمة المنظمة الجهوية الصناعية (LGA) بنورنبرغ (ألمانيا) تمت إعادة بناء الجسر هذا النصب الهام من جانبه المعماري أيضاً.

وأبرز مبنى بمدينة موستار هو جسرها الذي يعتبر رمزاً هاماً في جوانب متعددة، فعلى مدى قرون طويلة لم يكن "ستاري موست" أو "الجسر القديم" جسراً للربط بين مختلف مناطق المدينة فحسب بل الأكثر من ذلك أنه كان جسراً للتواصل بين الشعوب والأديان، بين المسلمين والنصارى، بين الشرق وبين الغرب وهنا حيث تكمن رمزيته. أما من الناحية المعمارية فكثيراً ما قد تسبب جسر موستار في اعجاب الزائر والغريب أن هذا الاعجاب لا يعود إلى عرضه الذي لا يتجاوز الأربعة أمتار ولا إلى طوله الذي يقدر بثمانية وعشرين متراً ولكن إلى علو قوسه الحامل وخاصة إلى الطريقة التدريجية والفريدة التي اتبعت لبنائه سنة 1556 باشرافق البناء الخبير التركي ميمار حجر الدين الذي جعل له أعلى قوس حامل بني من الحجارة الطبيعية عرف إلى ذلك الحين.

وقد نشأت عن قصة بناء "ستاري موست" أو الجسر القديم الكثير من الأساطير إذ يحكى أن أول محاولة لبنائه بمادة الحجارة الطبيعية فوق نهر النيريتفا العميق بائت بالفشل إذ سقط في مياهه ويقال أن سلطان اسطمبول كان قد هدد حجر الدين بقطع رأسه إذا ما فشل مرة أخرى. لذلك وعند اعادة بنائه حذر حجرالدين عند سحب السقالة الحاملة خوفاً من سقوط الجسر عليه وابتعد عن منطقة الخطر وتابع العملية عن بعد تاركا عماله عرضة للخطر مما أوقد غضبهم واعتبروه خائناً وقرروا الانتقام منه فكان انتقامهم شديداً بقتل زوجة حجر الدين ودفنها في جدار من جدران دعامة الجسر لتبقى هي من مكانها وأبد الدهر خالدة تنظر من فوق الجسر.

ولكنه لم يسقط هذه المرة بل صمد عند سحب السقالة وصمد لمرور القرون عليه وصمد جريحاً لهول الحروب والنزاعات التي تتالت عليه. لقد نجح ميمار حجرالدين في بناء الجسر الخالد.

الحرب

ومع نزاع البوسنا الأخير تحمل الجسر دمار الحرب وهول انفجارات القنابل التي دمرت بيوت مدينة موستار وحولت أزقتها الضيقة الجميلة إلى حطام ولم يبق قائما إلا الجسر ومعه آمال أهل موستار في أن يضل قائماً غير أنه صمد وصمد حتى نفذت قواه وانهار سنة 1993 وتوقف تحديه لهول الحرب.

وكان سكان موستار قد بذلوا كل ما في وسعهم لحماية الجسر من عدوان الحرب فجعلوا عليه اطارات مطاطية لصد القذائف وبنوا عليه سقفاً من الألواح المعدنية وضعت عليها البساطات لحماية من يتجرأ لعبوره للذهاب إلى عين الماء العذب الوحيدة والموجودة بالضفة المقابلة. ولم يكن لجسر موستار أية أهمية استراتيجية ولكن أهميته تكمن في أنه يعتبر الجسر الرمز ومن هنا عزم العدو على تدميره، على تدمير الرمز فحسب، فتتالى عليه ضرب القذائف لمدة يومين وليلتين ولم يسقط إلى أن أتى خائن وأفشى بسر صموده للعدو (يقال أن هذا الخائن هو مهندس سبق له أن اشتغل في ترميم الجسر) فأخبر عن طريقة تدميره، وسر صمود الجسر يعود الى داخله الأجوف فتتالى ضرب القذائف الموجهة بدقة نحو هذه الحجرة الجوفاء إلى أن انهار فسقطت حجارته في نهر النييريتفا وعادت إلى مياهها ملطخة إياها باللون الأحمر المائل إلى حمرة الدماء وليس من الصعب أن نتصور رمزية هذا الحدث "فلقد سفكت الحرب الدماء بما فيها دم الجسر أيضاً"

وبعد أن دمرت الحرب مدينة موستار لم يبق من مجال للشك في ضرورة اعادة بناء الجسر ربما كان ذلك لما يحمله في باطنه من رموز عميقة لذا لم يفتح المجال لأي ابهام ولأي تردد في الأمر فالاسراع لاسترجاع شكل المدينة إلى ما كانت عليه ما قبل الحرب أصبح أمراً ضرورياً.

يكشف الجسر عن أسراره

لقد تبين أن عملية اعادة بناء الجسر ليعود إلى ما كان عليه قبل الحرب هي عملية مرهقة لا فقط لسكان بلد عانوا المأسات بل أيضاً بالنسبة لـ""لجنة الخبراء" المتعددة الجنسيات العاملة تحت ادارة اليونسكو والتي أخذت على عاتقها مسؤولية التخطيط لإعادة بناء الجسر إلى جانب أطراف آخرين نذكر من بينهم المنظمة الجهوية الصناعية (LGA) بنورنبرغ (ألمانيا) . ولقد ذكر السيد غريغور ستولرسكي رئيس فريق الخبراء التابع لـ LGAفي أمر جسر موستار ما يلي : "أولا علينا أن نتطلع على الخصائص المميزة للجسر"... " لقد كشفت لنا خلال دراساتنا المتعمقة خصائص فائقة الأهمية لقت صدى عالميا كبيراً وكثيراً ما تسببت هذه الاكتشافات في دهشة الحاضرين."

ففي البداية استوجب التعرف على نوعية المواد التي بني بها هيكل الجسر. فلقد تم تشييد الأقواس والمتاريس والجوانب الأمامية بواسطة كتل مستطيلة من جحارة خفيفة ومسامية ذات السطح الأملس واللون العاجي اللماع وتبين عند معاينتها تحت المجهر أن تركيبة الحجارة تشابه تركيبة سرء السمك ومنها استمدت اسمها : كلس الأوييد المتكون من حبيبات كروية الشكل من مادة الكلس وهي متكونة من حبيبات من الرمال البحرية المتصلبة بمرور الملايين من السنين وهذه الحجارة الكلسية والمسمات تينيليجا لا توجد إلا بمنطقة موستار. أما لبناء أرضية الجسر فقد تم استعمال حجارة كلسية دولوميتية أكثر صلابة تم وضعها في شكل سلم أما بالنسبة لتقوية البرانيط فقد تم استعمال الحجارة المتكتلة والمسامية (بريكا) والتي تم جلبها من ضفاف نهر النيريتفا.

وقد قام خبراء غواصون أتوا من المجر بالبحث عن حجارة الجسر الأصلية وتمكنوا من استرجاع الكثير منها من أعماق النهر بعدها وجب تسجيلها واحدة واحدة في سجل فهرسي خاص ولم يكن من السهل القيام بمثل هذه العملية نظراً إلى أن الكثير من هذه الحجارة كانت قد فقدت أجزاء منها جراء القصف وبعد ذلك أتى دور أخذ القرار أم اعادة استعمال نفس الحجارة أو البحث في المقالع عن نفس هذا النوع من الحجارة الفريدة ان كان ذلك ممكنا.

كما استوجب اللجوء إلى طرق علمية حديثة منها طريقة "صدى الوقع" الذي اتبع لتحليل الأضرار والتصدعات التي حصلت على الحجارة المسترجعة كما استوجب تحليل كتل الحجارة الجديدة التي جلبت من مقالع تينيليجا وتسجيلها في سجل فهرسي خاص بها.

وبطبيعة الحال كانت رغبة الباحثين كبيرة لكشف أسرار الجسر وتفسير "سيلان دم الجسر" ونجحوا في ذلك واكتشفوا أن اللون الأحمر هو نتيجة الهاون الوردي الذي استعمل لختم أرضية الجسر ويتكون هذا الهاون الودي من مادة البكسيت والألومينيو البني المائل إلى الحمرة وعند انهيار الجسر انحلت هذه المواد ملونة مياه النهر باللون الأحمر وإلى حد يومنا هذا لم يعثر في أي مكان على مثل هذا النوع من الهاون الأحمر.

ولا تتميز المواد التي بني بها الجسر هي فقط بفرادتها بل أيضاً هندسته فمن بين ما جلب الانتباه والاعجاب نجد تصميمه الذي سبق عهده وكان سبب صموده البطولي لقصف صواريخ العدو كما كان انهياره مشهداً في غاية من الغرابة، وإذا قارناه ببنايات أخرى يرجع تاريخها إلى نفس العهد فاننا نجد أن جسر موستار يختلف بداخله الأجوف فقد صمم حجر الدين هذا التصميم واختار أن تكون الأقسام العليا القريبة من ضفاف النهر جوفاء وهو ما يقلص من الوزن الجملي بنسبة 40% وهي نفس العملية المتبعة عادة في يومنا هذا لتقوية البناءات المعمولة بمادة الاسمنت.

كما يلفت الانتباه الاسلوب المتبع للربط بين الحجارة : أربعة أشرطة متوازية مصنوعة يدويا بواسطة أطارات الضبط فيما بينها ومصطفة واحدة تلوى الأخرى وضعت على حامل القوس تم ادخال كل واحدة منها بفائق الدقة والمهارة داخل المساحة الحجرية : وقد تم ثني أطراف اطارات التطويق على زاوية 90 درجة ووسعت في شكل معين منحرف يشبه ذيل الخطاف. ثم تم ادخالها داخل أكياس نقشت حسب قياسها بالضبط وثبتت بمادة الرصاص السائل وهو ما يفسر قوة هذا الاسلوب في الربط وصموده أمام أعنف أشكال القصف كما صمدت حتى بعد انهيار الجسر. كما تم وضع المزيد من اطارات الضبط على مستوى حدود الربط التي هي على شكل نصف دائرة وكان حجر الدين قد استعمل مسامير من الفولاذ صنعت يدويا لتكون كداعم ثالث، ونجد على طول القوس الفولاذي لكل مسمار وضعه الخاص والمختلف عن المسامير الأخرى وهو ما كان يعني يومها تحديا كبيراً في ميدان تكنلوجيا تشكيل الرصاص.

البحث المخبري وبناء النموذج

لقد قام أفراد فريق الخبراء التابع لـ LGA باعادة سياق البناء التاريخي للجسر لذلك أعادوا بناء قسم صغير من جدار الجسر على سلم 1:4 وهنا توصلوا إلى تقدير الوقت الذي استلزم يومها لتشكيل طريقة ربط كهذه : هذه الطريقة الفريدة تطلبت خطوتي عمل، الخطوة الأولى تكون لتثبيت اطارات الضبط في طرف الكتلة التالية المستطيلة لتثبيتها وبعدها يتم نحث الكيس الواعي على الحجارة السابقة وأخيراً يتم حفر قناة بغلظ اصبع على السطح تبدأ منذ الكيس الواعي وتنتهي عند حامل القوس وبعدها يتم صقلها، وبعد تجمع الحجارة تملأ بالرصاص السائل وهكذا يتم تثبيت أطراف اطارات الضبط.

"لقد تبينت لنا من خلال الاختبارات الميتالورجية والميتالوغرافية التي قمنا بها على الفولاذ التاريخي بالنسبة للمسامير ولاطارات الضبط قدرتها الفائقة للحمل والدوام ووظيفة هذه الرابطة الاطار المسمار" حسب كلام ستولارسكي.

ولذلك تم اتباع نفس هذه التقنيات لاعادة بناء الجسر متبعين في ذلك آثار حرفي الحجارة بالعصور الوسطى التي تركوها على سطحها كما تطلب الأمر صنع أدوات العمل أيضاً فبفضل معارف الحرفيين وخبرتهم حول ترميم الحجارة القديمة تم التوصل إلى ارجاع العديد من الكتل المستعملة أصلياً.

فإلى جانب التجارب المكثفة التي قام بها فريق LGA من تحليل صحة المواد وقوتها للتحمل وتقييم العمل لتحقيق الانجاز والبحث عن التقنيات اليدوية التي ستتبع تم القيام كذلك بتحليل التأثير الحراري للرصاص الحار عند الاتصال بسطح حجارة التينيليجا وكذلك تأثير تشبع الحجارة بالماء وذلك لضمان نجاح اعادة بناء الجسر بالسير على منوال انجاز ميمار حجرالدين وعماله التاريخي.

ولقد زود الجسر الجديد بجهاز للاستشعار والمتابعة ليمد بجميع المعلومات المفيدة عن الضغظ والانعواجات التي قد تحدث عليه كذلك عن الحمل الميكانيكي وعن تأثراته بالعوامل المناخية.

اعادة تشييد الجسر كرمز للسلام

لقد تمت اعادة فتح ملف من ملفات التاريخ وتم استرجاع الحياة من الرماد باعادة بناء جسر موستار الذي اكتسب اليوم قيمة خاصة بالاضافة إلى قيمته الكائنة في ارثه الحضاري والثقافي العالمي : فانه اليوم يعتبر نصب تذكاري لحرب أهلية نشبت في قلب أوروبا وهو يعبر عن الآمال المستقبلية للعيش في سلام. فبفضل الجهود التي قام بها التعاون الدولي سيكون جسر موستار بالنسبة للأجيال القادمة أكثر من رمز معماري.